Reading time: 5 min
ستقترض جمهورية ألمانيا الاتحادية 174.3 مليار يورو في عام 2026، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الـ50.5 مليار يورو التي اقترضتها في 2024. وسيبلغ إجمالي الاستثمار العام مستوى قياسياً عند 126.7 مليار يورو، بزيادة 10% عن 2025 وأعلى بنحو 55% من مستوى 2024. صندوق بنية تحتية بقيمة 500 مليار يورو، وإصلاح لقاعدة كبح الديون، وميزانية دفاع نمت بمقدار 20 مليار يورو في عام واحد — كل ذلك يُعيد كتابة الهوية المالية لأكبر اقتصاد في أوروبا. لم يعد السؤال ما إذا كانت برلين ستُنفق، بل ما إذا كانت الأموال ستصل بالسرعة الكافية لتُحدث فارقاً.
انطلقت هذه الأرقام من الحكومة الائتلافية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، الذي حصل على أغلبية الثلثين في البوندستاغ والبوندسرات في مارس 2025 لتعديل القانون الأساسي وإنشاء الصندوق الخاص للبنية التحتية والحياد المناخي. يتمتع الصندوق بتفويض اقتراض مستقل بقيمة 500 مليار يورو على مدى عقد تقريباً، مُقسَّم إلى ثلاثة مكونات: 300 مليار يورو لمشاريع البنية التحتية الفيدرالية، و100 مليار يورو لصندوق المناخ والتحول، و100 مليار يورو موزعة على حكومات الولايات الست عشرة، وفقاً لوزارة المالية الاتحادية. والصندوق معزول عن قاعدة كبح الديون الدستورية، ما يعني أنه لا يُحتسب ضمن سقوف الاقتراض التي قيّدت السياسة المالية لأكثر من عقد. وبشكل منفصل، أُعفي الإنفاق الدفاعي الذي يتجاوز واحداً بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي من قاعدة كبح الديون بالكامل، مما يجعل الميزانية العسكرية بلا سقف نظرياً.
التصعيد الدفاعي
تبلغ ميزانية الدفاع الألمانية لعام 2026 نحو 82.7 مليار يورو، بزيادة تفوق 20 مليار يورو عن 2025، وفقاً لوزارة المالية الاتحادية. وعند إضافة المخصصات المتبقية من صندوق الـ100 مليار يورو الخاص الذي أُنشئ بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، يصل إجمالي الإنفاق الدفاعي لعام 2026 إلى نحو 108 مليارات يورو، وفقاً لمعهد Atlas للشؤون الدولية. وسيبلغ الإنفاق الدفاعي وفق معايير NATO نسبة 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مع استهداف 3.5% بحلول 2029، وهو مستوى سيضع ألمانيا بين أكبر المساهمين في الحلف من حيث القيمة المطلقة والنسبية.
قدّر نيكلاس غارنادت، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في Goldman Sachs، في مذكرة بتاريخ 16 فبراير أن إجمالي الإنفاق الدفاعي سيبلغ نحو 109 مليارات يورو في 2026، بزيادة 21 مليار يورو أو ما يقارب 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لـCNBC. وتستحوذ المشتريات والصيانة على الحصة الأكبر من هذه الزيادة، فيما ارتفعت الالتزامات المسبقة للمشتريات المستقبلية بشكل ملحوظ، مع تسارع واضح في طلبيات الصناعات الدفاعية خلال الربع الرابع من 2025. وقد أشارت حكومة ميرتس إلى خطط لإنفاق نحو 650 مليار يورو على الدفاع خلال السنوات الخمس المقبلة، وفقاً لـAtlantic Council، بطموح بناء ما وصفته برلين بأقوى جيش تقليدي في أوروبا.
ماذا تقول بيانات المصانع؟
بدأ الزخم المالي يظهر في البيانات الفعلية. فقد سلّط محللو Bank of America الضوء على قفزة بنسبة 40% في طلبيات المصانع الألمانية على أساس ثلاثة أشهر سنوياً، شملت طلبيات ضخمة للآلات الثقيلة والأسلحة والمعدات الإلكترونية، وفقاً لـCNBC. وأظهر استطلاع BofA لمديري الصناديق الأوروبيين أن نسبة قياسية بلغت 74% من المشاركين يتوقعون تسارع النمو في أوروبا خلال الأشهر المقبلة، فيما أشار ما يقرب من ثلثيهم — أي 63% — إلى حزمة التحفيز المالي الألمانية باعتبارها المحرك الرئيسي، مما عزّز مكانة البلاد بوصفها ما وصفه الاستطلاع بـمحرك أوروبا.
تشير بيانات مؤشر مديري المشتريات الصادرة عن S&P Global إلى أن قطاع التصنيع الألماني ينتعش بوتيرة لم تُشهد منذ نحو أربع سنوات، وفقاً لمعاينة S&P Global الأسبوعية الصادرة في 7 مارس. ولاحظت Vanguard في تحديثها لشهر مارس أن الطلبيات الجديدة تسارعت، مدفوعة جزئياً بالقطاعات المرتبطة بالدفاع، وأن المخاطر المحيطة بتوقعاتها لنمو منطقة اليورو عند 1.2% باتت تميل نحو الصعود. ويتوقع Conference Board أن ينمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 1.3% في 2026 و1.4% في 2027، مع خروج ألمانيا من ركود طفيف استمر عامين بدعم من تعافي الاستهلاك العام والخاص. وقدّر تقرير EY للتوقعات الاقتصادية الأوروبية لشهر مارس 2026 أن الأثر الأقصى للدفعة المالية الألمانية على الناتج المحلي الإجمالي سيتحقق في 2027، مضيفاً 0.8 نقطة مئوية للنمو الألماني و0.3 نقطة على مستوى منطقة اليورو.
معضلة التنفيذ
ليست الطموحات الإنفاقية موضع تساؤل، بل الجدول الزمني للتنفيذ. حذّر غارنادت من Goldman Sachs من أن إجمالي الإنفاق الفيدرالي عبر الميزانية الرئيسية والصناديق الثلاثة الكبرى خارج الميزانية سيقل على الأرجح بنحو 33 مليار يورو عن المستهدف الحكومي، وفقاً لـCNBC. وسيتخلف تنفيذ الإنفاق الدفاعي عن المبالغ المرصودة رغم الارتفاع الحاد في الطلبيات. أما الإنفاق على البنية التحتية فسيكون متفاوتاً: توقّع غارنادت أن تحقق البنية التحتية للنقل — الفئة الأكبر — معدل تنفيذ يتجاوز 90%، لكن فئات الرقمنة والإنفاق المناخي ستشهد معدلات أدنى. في المقابل، يُتوقع تنفيذ الاستثمارات في المستشفيات والقروض الموجهة للضمان الاجتماعي بالكامل.
التحدي الهيكلي يتعلق بالطاقة الاستيعابية لا بالنوايا. فقطاع البناء الألماني يعمل قرب طاقته القصوى منذ سنوات، ونقص العمالة الماهرة وتراكم تراخيص التخطيط وبيروقراطية المشتريات حوّلت تاريخياً خطط الاستثمار الطموحة إلى تأخيرات تمتد لسنوات. وقد أنشأت وزارة المالية الاتحادية “مجلساً للاستثمار والابتكار” يضم أكاديميين واقتصاديين وأعضاء مجالس إدارة وسياسيين محليين لتقديم المشورة حول الاستخدام الأمثل للصندوق. واعترف وزير المالية لارس كلينغبايل بهذا الخطر صراحةً، حين قال إن نجاح الصندوق سيتوقف على “الاستخدام السريع والموجّه لتمويل الاستثمار.”
يحمل نظام المشتريات الدفاعية إرثاً خاصاً من التأخير. فقد أشار Atlantic Council إلى أن منظومات الجيش الألماني (Bundeswehr) استغرقت تاريخياً ثلاث عشرة سنة من مرحلة المفهوم إلى النشر الميداني، بينما يمكن تطوير طائرة مسيّرة جديدة في ستة أسابيع. اتخذت برلين إجراءات قانونية لتبسيط العمليات وتسريع التسليم، لكن الفجوة بين الإنفاق المرصود والصرف الفعلي تظل القيد الحاسم الذي يحدد سرعة وصول الزخم المالي إلى الاقتصاد الحقيقي.
ماذا يعني ذلك لأوروبا؟
يُمثّل التحوّل المالي الألماني الأكبر في التاريخ الأوروبي الحديث. فبعد عقود من الميزانيات المتوازنة والتحفظ الهيكلي، تُسجّل البلاد الآن عجزاً قد يبلغ نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2027، وفقاً لـModern Diplomacy، مع ارتفاع الدين نحو 68% من الناتج المحلي الإجمالي — وهو يبقى الأدنى بين دول مجموعة السبع. لكن هذا المسار يُشكّل انفصالاً جذرياً عن إجماع التقشف الذي حدّد الهوية الاقتصادية الألمانية منذ إعادة التوحيد.
التداعيات بدأت تظهر بالفعل. قدّرت EY أن التيسير المالي الألماني سيرفع النمو بشكل متواضع في أوروبا الوسطى والشرقية والنمسا وهولندا. وعلى مستوى منطقة اليورو، يُتوقع أن تكون السياسة المالية محايدة تقريباً في 2026، إذ يُعوَّض التيسير في ألمانيا وهولندا ودول الشمال بالتشديد في فرنسا وإيطاليا ورومانيا. وهذا التباين له أهمية بالغة. فرنسا التي تسجل نمواً بنسبة 0.6% مع مستويات قياسية من إفلاس الشركات تتقشف بينما تتوسع ألمانيا. أكبر اقتصادين في منطقة اليورو يسيران الآن في اتجاهين ماليين متعاكسين لأول مرة منذ سنوات.
يتوقف تحوّل الإنفاق الألماني إلى نمو مستدام — بدلاً من مجرد طفرة مؤقتة في البناء والمشتريات — على سرعة التنفيذ والطاقة الاستيعابية ومدى استمرار البيئة الجيوسياسية في تبرير إنفاق دفاعي بهذا الحجم. الأموال أُقرّت، والحواجز الدستورية أُزيلت، وطلبيات المصانع بدأت تتوافد. أما السؤال الذي لا يزال قائماً فهو ذاته الذي حدّد السياسة الاقتصادية الألمانية لجيل كامل: هل تستطيع الدولة أن تُنفق بكفاءة توازي كفاءتها في الادخار؟