الإنتاج الصناعي في منطقة اليورو يتراجع للشهر الثاني على التوالي — وصدمة الطاقة لم تصل بعد

Share

Reading time: 7 min

أعلنت Eurostat عن تراجع الإنتاج الصناعي في منطقة اليورو بنسبة 1.5% على أساس شهري في يناير، وهو رقم أدنى بكثير من التوقعات التي أشارت إلى نمو بنسبة 0.6% وفقاً لاستطلاع Reuters. وعلى أساس سنوي، انكمش الإنتاج بنسبة 1.2% مقابل توقعات بنمو قدره 1.4%. في السياق ذاته، خفّض Goldman Sachs توقعاته لنمو 2026 إلى 1% ويتوقع أن يبلغ التضخم الرئيسي ذروته عند 2.9% في الربع الثاني. سيناريو الركود التضخمي الذي حاولت أوروبا تجنبه منذ 2022 يعود ليتشكّل مجدداً أمام أعيننا.

ماذا تُظهر البيانات

تؤكد أرقام يناير، التي نشرتها Eurostat في 13 مارس، أن التعافي الصناعي القصير الذي شهدته منطقة اليورو في أواخر 2025 قد انعكس بالفعل. فقد تراجع الإنتاج المعدّل موسمياً بنسبة 1.5% مقارنة بديسمبر، عقب انخفاض معدّل بنسبة 0.6% في الشهر السابق. وكان نطاق الانكماش واسعاً: السلع الاستهلاكية غير المعمّرة هبطت 6.0%، والسلع الرأسمالية تراجعت 2.3%، والسلع الوسيطة انخفضت 1.9%، والسلع الاستهلاكية المعمّرة خسرت 1.9%. القطاع الوحيد الذي سجّل ارتفاعاً كان إنتاج الطاقة بنسبة 4.7%، وهو رقم يعكس تمرير تكاليف توليد الكهرباء بالغاز عبر المنظومة أكثر مما يعكس قوة صناعية حقيقية.

على أساس سنوي، انكمش الإنتاج الصناعي في منطقة اليورو بنسبة 1.2% في يناير، مقارنة بنمو معدّل بلغ 2.2% في ديسمبر و2.5% في نوفمبر وفقاً لـ Eurostat. هذا التحوّل من النمو إلى الانكماش في غضون شهر واحد لا يحدث دون كسر هيكلي. وكما أشارت Reuters، لا يزال الإنتاج الصناعي الإجمالي في منطقة اليورو أقل بنحو 3% من مستواه في 2021، ما يعني أن القطاع ظل في حالة ركود فعلي على مدار أربع سنوات.

من بين أكبر التراجعات على مستوى الدول الأعضاء، سجّلت أيرلندا انخفاضاً شهرياً بنسبة 9.8%، ولوكسمبورغ 4.3%، والسويد 4.1%. أما ألمانيا، القاطرة الصناعية للقارة، فلم تكن بمنأى: سجّلت Eurostat تراجعاً شهرياً بنسبة 2.9% في ديسمبر (أحدث البيانات الوطنية المتاحة)، ممّا يمدّد اتجاهاً هبوطياً مستمراً منذ أواخر 2022 بلا انقطاع يُذكر. ووفقاً لـ Reuters، بات الإنتاج الصناعي الألماني أدنى بنسبة 9% من مستوى 2021، وهو رقم يختزل ثلاث سنوات من التراجع المتراكم في ما كان حتى وقت قريب المحرّك الصناعي للقارة.

عامل الطاقة

بيانات الإنتاج لشهر يناير تسبق الأسوأ في صدمة الطاقة الحالية. فقد شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران في 28 فبراير، وارتفع خام برنت منذ ذلك الحين فوق 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ أغسطس 2022. كذلك قفزت أسعار الغاز الطبيعي في معيار TTF الأوروبي بنحو 80% منذ بداية العام، فيما صعد النفط بنحو الثلثين خلال الفترة ذاتها.

حسبت مجموعة Ember Climate البحثية، في تحليل نُشر في 18 مارس، أن الاتحاد الأوروبي دفع 2.5 مليار يورو إضافية ثمناً لواردات الوقود الأحفوري في الأيام العشرة الأولى من النزاع وحده. وبلغت أسعار الكهرباء في ألمانيا وهولندا وإيطاليا وبلجيكا أعلى مستوياتها في 2026 خلال الأسبوع الأول من مارس. لكن النمط متفاوت وذو دلالة: ففي إسبانيا، حيث أدّى الانتشار الواسع للطاقة المتجددة إلى فك ارتباط أسعار الكهرباء بالغاز هيكلياً، لم يؤثر الغاز على أسعار الكهرباء إلا في 15% من ساعات التداول حتى الآن في 2026. أما في إيطاليا، فبلغت النسبة 89%. الدول التي تحركت بأسرع ما يمكن نحو الطاقة المتجددة بعد أزمة 2022 تدفع اليوم أقل ثمن لأزمة 2026.

لخّص الاقتصادي في ING، Bert Colijn، تحوّل المزاج في عبارة واحدة: “تفاؤل قطاع التصنيع في منطقة اليورو يتلاشى مع هبوط الإنتاج الصناعي إلى أدنى مستوى له منذ 2024، فيما أعاد النزاع في الشرق الأوسط إحياء مخاطر الإنتاج، لا سيما في القطاعات كثيفة استهلاك الطاقة.” وأكّد Diego Iscaro من S&P Global Market Intelligence التقييم ذاته، مشيراً إلى أن “القطاع الصناعي الأوروبي يعتمد بشكل كبير على الغاز والنفط المستوردَين، كما أنه مكشوف أمام اضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن النزاع.”

التوقعات

خفّض Goldman Sachs، في مذكرة بتاريخ 12 مارس، توقعاته لنمو منطقة اليورو إلى 1.0% على أساس ربعي Q4/Q4 لعام 2026، نزولاً من تقديراته قبل النزاع. ومن المتوقع الآن أن يبلغ التضخم الرئيسي ذروته عند 2.9% في الربع الثاني، مقارنة بـ 2.0% قبل الحرب. ولم يُعدَّل التوقع الخاص بسياسة البنك المركزي الأوروبي (حيث يظل سعر فائدة الإيداع عند 2.00% بعد التثبيت في 5 فبراير)، لكن Goldman أرجأ توقيت خفض أسعار الفائدة من بنك إنجلترا، في اعتراف ضمني بأن انتقال تأثير أسعار الطاقة سيقيّد التيسير النقدي عبر القارة.

فيما يخصّ ألمانيا تحديداً، يتوقع Goldman نمواً بنسبة 1.1%، يُسهم التحفيز المالي بنحو نصف هذا الرقم. وهذا لافت: لولا برنامج الاقتراض القياسي البالغ 180 مليار يورو الذي أقرّته برلين في نوفمبر، لكان أكبر اقتصاد في أوروبا ينمو بنحو 0.5% فقط، أي بالكاد فوق حافة الركود.

كان كبير الاقتصاديين في Vanguard، Shaan Raithatha، أكثر صراحة، محذراً من أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة يهدد بـ”صدمة ركود تضخمي كبيرة للاقتصاد الأوروبي” وأن البنك المركزي الأوروبي “قد يُضطر لإعادة تقييم موقفه من السياسة النقدية” إذا استمر الارتفاع أو تسارع. كلمة “الركود التضخمي” التي تجنّبها معظم المتنبّئين المؤسسيين على مدار عامين تقريباً، تعود الآن إلى القاموس.

انهيار الثقة

كشف مؤشر ZEW للثقة الاقتصادية، الصادر في 17 مارس، عن سرعة تدهور التوقعات. فقد هوى المؤشر من 58.3 في فبراير إلى سالب 0.5 في مارس، بانخفاض قدره 58.8 نقطة. هذا ثالث أكبر تراجع شهري في تاريخ المؤشر، لم يتجاوزه سوى الهبوط بمقدار 93.6 نقطة في مارس 2022 (الغزو الروسي لأوكرانيا) والانخفاض بمقدار 65.6 نقطة في أبريل 2025 (إعلان Trump عن التعريفات الجمركية). وصرّح رئيس ZEW، Achim Wambach، بأن المؤشر “انهار” وأن خبراء الأسواق المالية “يشكّكون في إمكانية انتهاء الأزمة سريعاً.”

سلك مؤشر ZEW للتوقعات على مستوى منطقة اليورو المسار ذاته، متراجعاً إلى سالب 8.5 من 39.4 وفقاً لـ Euronews. وتوقع نحو 80% من المشاركين ضغوطاً تضخمية في ألمانيا ومنطقة اليورو. المفارقة المحورية في المشهد الاقتصادي الأوروبي الراهن تكمن في التناقض بين بيانات الثقة الاستشرافية والتزامات الاستثمار التي تعكس الماضي. واللافت أن تقييم الأوضاع الراهنة تحسّن طفيفاً، إذ ارتفع المؤشر 3.0 نقاط إلى سالب 62.9، مما يشير إلى أن الضرر لم يتجسّد بعد في البيانات الفعلية. غير أن أرقام الإنتاج لشهرَي فبراير ومارس، حين تُنشر، ستردم هذه الفجوة على الأرجح.

الانقسام الهيكلي

التوزيع المتفاوت لصدمة الطاقة عبر منطقة اليورو يحمل أهمية بالغة للسياسات. فاقتصادات جنوب أوروبا ذات الانتشار الواسع للطاقة المتجددة (إسبانيا والبرتغال) ودول الشمال الأوروبي أكثر تحصيناً هيكلياً من القلب الصناعي (ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا). وأشار Alfred Kammer من صندوق النقد الدولي، في كلمة ألقاها بجامعة HEC Paris في 11 مارس، إلى أنه “رغم امتلاكها الكفاءات والتكنولوجيا والمدخرات اللازمة لنمو أسرع، تبدو أوروبا وكأنها تستسلم لمسار نمو بطيء ومتواضع على المدى المتوسط.” فجوة الإنتاجية مع الولايات المتحدة تتسع باستمرار، وبين الشركات التي تأسست في الخمسين عاماً الأخيرة، تهيمن الشركات الأمريكية بشكل طاغٍ على القيمة السوقية العالمية. أوروبا تُنتج عدداً أقل من الشركات القادرة على المنافسة عالمياً بحجم مماثل.

تتوقع Coface، شركة التأمين الائتماني الفرنسية، ارتفاع حالات إفلاس الشركات عالمياً بنسبة 3 إلى 4% إضافية في 2026، مع توقعات بأن تسجّل فرنسا وحدها نحو 69,000 حالة إفلاس، متجاوزة رقمها القياسي في 2009. وقد تقلّصت هوامش أرباح التصنيع الأوروبية، لا سيما في ألمانيا، بمقدار 5 نقاط مئوية على مدى ثلاث سنوات، تحت ضغط الطاقة الإنتاجية الفائضة من الصين في قطاعات تتراوح بين الصلب والسيارات الكهربائية.

تبقى استجابة البنوك المركزية مقيّدة. فقد ثبّت البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في 5 فبراير دون تقديم أي توجيهات مستقبلية تأخذ صدمة الطاقة بالحسبان. ويواجه الاحتياطي الفيدرالي، المجتمع اليوم، معضلة مماثلة مع التضخم المدفوع بالنفط لكن من موقع قوة اقتصادية نسبية. البنك المركزي الأوروبي لا يملك هذا الترف. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو في الربع الرابع من 2025 بنسبة 0.2% فقط على أساس ربعي وفقاً لـ Eurostat. ومعدل البطالة البالغ 6.1% في يناير (منخفضاً من 6.2% في ديسمبر) يظل الإشارة الإيجابية الوحيدة حقاً في مجموعة البيانات الحالية.

الخلاصة

تواجه أوروبا الآن تركيبة مألوفة وبالغة الإزعاج: تكاليف طاقة مرتفعة، وإنتاج صناعي متراجع، وتضخم عنيد في قطاع الخدمات، وبنك مركزي بهامش محدود للتحرك. الفرق بين 2026 و2022 أن صانعي السياسات استنفدوا بالفعل جزءاً كبيراً من احتياطياتهم المالية، وتنويع مصادر الطاقة لم يكتمل بعد، والصدمة الجيوسياسية هذه المرة تنبع من نزاع لا تملك فيه الحكومات الأوروبية نفوذاً دبلوماسياً يُذكر. القوة المالية متاحة في ألمانيا، لكنها غير موجودة بالحجم ذاته في فرنسا أو إيطاليا أو إسبانيا. ومن المرجح أن يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه محاصراً بين تفويضَين يجذبانه في اتجاهين متعاكسين للمرة الأولى منذ أزمة الديون السيادية. بيانات الإنتاج الصناعي لشهرَي فبراير ومارس، حين تتسلل صدمة النفط بكامل قوتها إلى سلاسل الإمداد، ستحسم ما إذا كان ما نشهده اضطراباً مؤقتاً أم بداية تخفيض هيكلي لمسار نمو منطقة اليورو.

إخلاء المسؤولية: يقدم Finonity الأخبار المالية وتحليلات السوق لأغراض إعلامية فقط. لا يشكل أي شيء منشور على هذا الموقع نصيحة استثمارية أو توصية أو عرضًا لشراء أو بيع أي أوراق مالية أو أدوات مالية. الأداء السابق لا يعد مؤشرًا على النتائج المستقبلية. استشر دائمًا مستشارًا ماليًا مؤهلاً قبل اتخاذ قرارات الاستثمار.

للاطلاع على جدول زمني كامل لتأثير حرب إيران على الأسواق العالمية، راجع صفحة المرجع الخاصة بنا.

Artur Szablowski
Artur Szablowski
Chief Editor & Economic Analyst - Artur Szabłowski is the Chief Editor. He holds a Master of Science in Data Science from the University of Colorado Boulder and an engineering degree from Wrocław University of Science and Technology. With over 10 years of experience in business and finance, Artur leads Szabłowski I Wspólnicy Sp. z o.o. — a Warsaw-based accounting and financial advisory firm serving corporate clients across Europe. An active member of the Association of Accountants in Poland (SKwP), he combines hands-on expertise in corporate finance, tax strategy, and macroeconomic analysis with a data-driven editorial approach. At Finonity, he specializes in central bank policy, inflation dynamics, and the economic forces shaping global markets.

Read more

Latest News