Reading time: 5 min
نشرت بنغلاديش قوات عسكرية عند مستودعات النفط. وقلّصت الفلبين أسبوع العمل الحكومي إلى أربعة أيام. وأمرت تايلاند الجهات الحكومية بالعمل من المنزل. وبدأت نيبال تقنين غاز الطهي. أما الهند فاستخدمت صلاحيات الطوارئ لإعادة توجيه غاز البترول المسال من المستهلكين الصناعيين إلى الأسر. بعد ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب، لم يعد الحديث في آسيا يدور حول سعر النفط، بل حول ما إذا كانت الإمدادات تكفي لإبقاء الأنوار مضاءة.
80% من خام هرمز يتجه إلى آسيا… ومعظمه توقف
يتجه نحو 80% من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العابر عبر مضيق هرمز إلى الأسواق الآسيوية، حيث تُعدّ الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية المستقبلين الرئيسيين. كذلك يُشحن نحو ثلثي صادرات العراق النفطية إلى الصين والهند، اللتين صُمّمت مصافيهما لمعالجة الخامات الثقيلة. وقد أوقفت تلك المصافي إنتاجها مؤقتاً بعد الضربات الإسرائيلية على البنية التحتية للطاقة الإيرانية والضربات الانتقامية الإيرانية على منشآت في قطر والإمارات والسعودية.
تعتمد الفلبين وتايلاند وماليزيا وبروناي على الاستيراد لتلبية 60 إلى 95% من احتياجاتها من الخام، وفقاً لألويسيوس جوكو بوروانتو، الاقتصادي في معهد البحوث الاقتصادية لرابطة آسيان وشرق آسيا ومقره جاكرتا. ويُشحن نحو 80% من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا عبر هرمز. وحين توقفت تلك الإمدادات، انتقلت الحكومات في أنحاء القارة من مرحلة المراقبة إلى مرحلة التقنين خلال أيام معدودة.
فرضت بنغلاديش، التي تستورد نحو 95% من احتياجاتها من الطاقة، سقوفاً سعرية على الوقود، وأغلقت الجامعات، وأطفأت الإنارة الاحتفالية بعيد الفطر، ونشرت جنوداً عند مرافق تخزين النفط لمنع الاكتناز. كما لجأت إلى الصين والهند لاستيراد الديزل بشكل طارئ. وأرسلت باكستان سفناً حربية لمرافقة السفن التجارية في خليج عمان، وأعلنت عن حزمة من تدابير ترشيد استهلاك الوقود محلياً. واستخدمت الهند صلاحيات الطوارئ لإعادة توجيه إمدادات غاز البترول المسال من المستهلكين الصناعيين إلى الأسر. وحتى الأسبوع الماضي، كانت 22 ناقلة غاز مسال تنتظر قبالة السواحل الهندية بينما لم تتمكن سوى ناقلة واحدة من الرسو في أحد الموانئ.
أسبوع عمل من أربعة أيام وإغلاق المدارس: هذه سياسات لا توقعات
تدابير الطوارئ المطبّقة عبر آسيا ليست توصيات صادرة عن وكالات دولية، بل قرارات حكومية مدعومة بصلاحيات تنفيذية. أعلنت الفلبين تقليص أسبوع العمل إلى أربعة أيام في بعض المكاتب الحكومية، وحثّت المواطنين على ضبط أجهزة التكييف عند 24 درجة مئوية أو أعلى. ووجّهت تايلاند الجهات الحكومية لاعتماد ترتيبات العمل عن بُعد لتقليل الطلب على الوقود. والجدير بالذكر أن تقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر في 20 مارس، الذي أوصى بالعمل عن بُعد وخفض حدود السرعة كأدوات لتقليل الطلب، نُشر بعد أن كانت عدة حكومات آسيوية قد طبّقت تلك التدابير بالفعل من تلقاء نفسها.
يُضاعف البعد الزراعي من وطأة صدمة الطاقة. فآسيا تعتمد بشكل كبير على الشرق الأوسط في إمدادات الأسمدة، إذ يُعدّ الخليج العربي مركزاً حيوياً لإنتاج الأسمدة عالمياً لأن الغاز الطبيعي هو المادة الأولية لإنتاج اليوريا، أكثر الأسمدة النيتروجينية استخداماً في العالم. ومع تضرر مجمع رأس لفان القطري وإغلاق هرمز فعلياً، تعطّلت سلاسل إمداد الأسمدة بالتوازي مع سلاسل إمداد الوقود. بالنسبة للاقتصادات المستوردة للغذاء في جنوب وجنوب شرق آسيا، تضرب الحرب على جبهتين في آن واحد: الوقود اللازم لنقل الغذاء، والأسمدة اللازمة لزراعته.
تُجسّد إندونيسيا هذا التأثير المضاعف. تشير البيانات الرسمية التي أوردها ING إلى أن حالات التسريح في البلاد بلغت 42,000 خلال آخر فترة إبلاغ، بزيادة 32% على أساس سنوي، وتركّزت بشكل رئيسي في القطاعين الصناعي والتجزئة. كان فائض الطاقة الإنتاجية الصيني يُثقل كاهل التصنيع الإندونيسي قبل الحرب، والآن تُضيف تكاليف الطاقة المتصاعدة طبقة ثانية من ضغط الهوامش على شركات تفقد قدرتها التنافسية أصلاً. ويُعدّ البنك المركزي الإندونيسي من البنوك القليلة في آسيا التي لا تزال تُتوقع منها خفض أسعار الفائدة في 2026، لكن الضغوط التضخمية الناجمة عن تجاوز النفط حاجز 100 دولار تجعل تبرير هذا المسار أصعب بكثير.
اليابان تشهد تراجعاً في التضخم بينما بقية آسيا تُقنّن الوقود
تراجع مؤشر أسعار المستهلكين في اليابان إلى 1.3% في فبراير، وفقاً لبيانات صادرة يوم الثلاثاء عن مكتب الإحصاء. وهذه أدنى قراءة منذ مارس 2022، وتقع دون مستهدف بنك اليابان البالغ 2% لأول مرة منذ قرابة أربع سنوات. جاء هذا التراجع مدفوعاً باستقرار أسعار الغذاء ودعم الحكومة لأسعار الوقود، مما يكبح التضخم الرئيسي في اللحظة ذاتها التي تشهد فيها بقية آسيا صدمة تضخمية.
المفارقة هنا هيكلية بامتياز. فاليابان مستورد صافٍ للطاقة وتحصل على حصة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والخام عبر الشرق الأوسط، ما يعني أن الحرب يُفترض أن ترفع التضخم الياباني لا أن تخفضه. غير أن حكومة تاكايتشي اختارت امتصاص صدمة أسعار الطاقة عبر تحويلات مالية بدلاً من تمريرها إلى المستهلكين. وأفادت Nikkei Asia في 24 مارس بأن اليابان تسحب من احتياطياتها الاستراتيجية مع تزايد صعوبة شراء الوقود لدى الشركات والحكومات المحلية، حيث تسعى الحكومة لتخفيف الأثر الاقتصادي للصراع في الشرق الأوسط عبر إنفاق إضافي.
يخلق هذا تناقضاً في السياسة النقدية لا يستطيع بنك اليابان حلّه بسهولة. أبقى المحافظ أويدا أسعار الفائدة عند 0.75% في اجتماع مارس مع صوت معارض واحد طالب برفعها إلى 1.0%. يسعى البنك المركزي لتطبيع سياسته النقدية بعد عقود من الانكماش، وتراجع مؤشر أسعار المستهلكين يُضعف حجة مزيد من التشديد. لكن الين لا يزال تحت الضغط، والأجور الحقيقية سلبية منذ أربع سنوات متتالية وفقاً لـ Nikkei Asia، والدعم الذي يكبح التضخم الرئيسي يُموَّل من توسع مالي سيتطلب في النهاية إما ضرائب أعلى أو إصدارات سندات أكبر. اليابان تشتري الوقت، والسؤال هو كم من الوقت ستمنحها هذه الحرب.
رسوم اليوان وآخر أوراق الدولار الرابحة
صرّح مسؤول إيراني لشبكة CNN بأن طهران تدرس السماح بعبور الشحنات المقوّمة باليوان الصيني عبر مضيق هرمز. لو طُبّق هذا الإجراء، فسيُنشئ نظام تسعير ثنائي المستوى للمرور عبر أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم: الشحنات المقوّمة باليوان تعبر، أما المقوّمة بالدولار فتواجه إما رسوماً بقيمة مليوني دولار أفادت بها Bloomberg يوم الثلاثاء، أو خطر الاعتراض.
تستقبل الصين نحو ثلث وارداتها من النفط الخام عبر هرمز، وتمتلك احتياطيات نفط استراتيجية ضخمة تُقدّر بنحو مليار برميل، أي ما يكفي لعدة أشهر. تمتلك بكين القدرة المالية واللوجستية لتحمّل اضطراب مطوّل أفضل من أي مستورد آسيوي كبير آخر. الهند لا تملك ذلك. واليابان لا تملكه. وكوريا الجنوبية لا تملكه. إذا بدأت إيران بتسعير الوصول إلى المضيق انتقائياً حسب عملة التسوية، فسيمثل ذلك أكثر الخطوات واقعية نحو إنهاء هيمنة الدولار على تجارة الطاقة منذ تأسيس نظام البترودولار في سبعينيات القرن الماضي.
تبقى الولايات المتحدة في وضع أفضل من آسيا لاستيعاب التداعيات الاقتصادية للصراع، فهي أكبر منتج للنفط في العالم ومُصدّر صافٍ للبترول، وشركات النفط الأمريكية مرشحة للاستفادة من تراجع الإمدادات الشرق أوسطية. لكن الواقع الاستراتيجي أن خام برنت فوق 100 دولار لا يُعدّ مجرد إشارة سعرية في آسيا، بل حالة طوارئ حقيقية. المدارس تُغلق، والجيوش تحرس مستودعات الوقود، والحكومات تطلب من العمال البقاء في منازلهم. القارة التي تُصنّع الجزء الأكبر من سلع العالم مطالبة بذلك بطاقة أقل وأسمدة أقل مما شهدته في أي وقت منذ أزمة النفط في السبعينيات، ودون أي رؤية واضحة لموعد عودة أيٍّ منهما. بعد ثلاثة أسابيع، لم يعد هذا سيناريو مخاطر محتملاً، بل أصبح الواقع الأساسي.
للاطلاع على جدول زمني كامل لتأثير حرب إيران على الأسواق العالمية، راجع صفحة المرجع الخاصة بنا.