برنت يسجّل أعلى مكسب شهري في تاريخه — وترامب يعلن رغبته في “الاستيلاء على نفط إيران”

Share

Reading time: 8 min

ارتفع خام برنت فوق 116 دولاراً صباح الاثنين بعد أن صرّح الرئيس ترامب لصحيفة Financial Times بأنه “يفضّل الاستيلاء على النفط الإيراني” وأنه يدرس السيطرة على جزيرة خارك، وهي محطة التصدير التي تتولى شحن نحو 90 في المائة من صادرات إيران النفطية. بهذا التصريح، تحوّلت الحرب من اضطراب في ممرات العبور إلى محاولة للسيطرة على الموارد ذاتها. وبرنت، الذي حقق مكاسب تتجاوز 55 في المائة خلال مارس وحده، يتّجه الآن نحو تسجيل أعلى ارتفاع شهري في تاريخ هذا المعيار المرجعي.

رقم قياسي لم يتوقعه أحد

افتتح برنت عام 2026 دون مستوى 75 دولاراً. Goldman Sachs توقّع متوسطاً سنوياً عند 56 دولاراً فقط، فيما رجّح البنك الدولي تراجع أسعار السلع بنسبة 7 في المائة. كل التقارير الكبرى الصادرة في ديسمبر 2025 بنت توقعاتها على فائض في المعروض، وتراجع الطلب الصيني، وعلاوة مخاطر جيوسياسية يمكن استيعابها. لكن عند إغلاق تداولات 28 مارس، استقرّ برنت فوق 112 دولاراً وفقاً لبيانات LSEG التي نقلتها CNBC. ارتفاع بنسبة 55 في المائة خلال شهر تقويمي واحد يتجاوز قفزة مارس 2022 إبّان الحرب الروسية الأوكرانية، وطفرة الدورة الفائقة في 2008، وصدمة أسعار حرب الخليج عام 1990. لا سابقة لهذا الرقم في تاريخ عقود برنت الآجلة على ICE الممتد 38 عاماً.

الآليات واضحة ومباشرة. خسر المنتجون الخليجيون نحو 6.7 مليون برميل يومياً من طاقتهم التصديرية منذ الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز مطلع مارس. أفرجت وكالة الطاقة الدولية عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية لـ 32 دولة، لكن السوق تجاهلت ذلك لأن 400 مليون برميل بمعدل عجز 6.7 مليون يومياً لا تكفي سوى نحو 60 يوماً، والحرب دخلت أسبوعها الخامس دون أي أفق لوقف إطلاق النار. تملك السعودية والإمارات طاقة محدودة عبر خطوط أنابيب بديلة تتجاوز هرمز، لكن هذه الخطوط لا تتحمّل سوى جزء بسيط من إجمالي الإنتاج الخليجي. أما البقية فتبقى في المخازن أو حبيسة باطن الأرض.

تجاوز خام WTI حاجز 100 دولار للبرميل يوم الاثنين للمرة الأولى خلال هذا الصراع، ليُتداول عند 101.30 دولار وفقاً لـ Pintu News، مدفوعاً بالعوامل ذاتها التي تدفع برنت، مع ديناميكية إضافية: اتّسع فرق السعر بين برنت وWTI ليتجاوز 14 دولاراً في بعض الأوقات، ما يعكس أن برنت يسعّر مباشرةً الشحنات الخليجية المتضررة، بينما يعكس WTI الخام الأمريكي المحلي الذي يتدفق بشكل طبيعي. هذا الفارق في حد ذاته مقياس لمدى انفصال السوق الفعلية عن سوق العقود الورقية.

جزيرة خارك: ماذا يعني “الاستيلاء على النفط” فعلياً؟

تصريح ترامب لصحيفة Financial Times لم يكن مناورة تفاوضية، بل إعلان نوايا عسكرية مدعوم بنشر قوات على الأرض. وصل عدة مئات من عناصر القوات الخاصة الأمريكية إلى المنطقة، لينضموا إلى آلاف من مشاة البحرية ومظليي الجيش، وفقاً لـ NBC News. وصلت حاملة السفن USS Tripoli يوم السبت بتعداد 3,500 جندي، فيما وحدات من الفرقة 82 المحمولة جواً في طريقها إلى المنطقة. إجمالي القوات الأمريكية في الشرق الأوسط يتجاوز الآن 50,000 جندي، أي نحو 10,000 فوق المستوى الاعتيادي، وفقاً لتقارير نقلتها CNN وواشنطن بوست.

جزيرة خارك هي جزيرة مرجانية تقع على بُعد نحو 25 كيلومتراً من الساحل الجنوبي لإيران في الخليج العربي. تمثّل نقطة التحميل لنحو 2.5 مليون برميل يومياً من صادرات النفط الإيرانية، أي أكثر من 90 في المائة من إجمالي شحنات النفط الإيرانية، وفقاً لصحيفة Times of Israel نقلاً عن مقابلة Financial Times. سبق أن استُهدفت الجزيرة: قصفتها الطائرات العراقية مراراً خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، كما ضربتها الولايات المتحدة في وقت سابق من الصراع الحالي. لكن ثمة فرق جوهري بين قصف جزيرة واحتلالها.

ترامب نفسه أقرّ بهذا الفرق. “ربما نأخذ جزيرة خارك، وربما لا. لدينا خيارات كثيرة”، قال لـ Financial Times. ثم أضاف: “هذا يعني أيضاً أنه سيتعيّن علينا البقاء هناك لفترة.” هذه الجملة الأخيرة هي التي يجب أن تقرأها سوق النفط مرتين. السيطرة على خارك ليست ضربة جراحية، بل هي احتلال لبنية تحتية طاقوية حيوية في مياه متنازع عليها، ضمن مدى الصواريخ الإيرانية الساحلية ومنظومات الطائرات المسيّرة. محللون عسكريون نقلت عنهم CNN حذّروا من أن القوات الإيرانية قادرة على شنّ هجمات متواصلة على أي وجود أمريكي في خارك، مع تصاعد الخسائر البشرية بمرور الوقت.

بالنسبة لسوق النفط، تعتمد التداعيات على السيناريو الذي سيتحقق. إذا سيطرت الولايات المتحدة على خارك ونجحت في الدفاع عنها، فإن صادرات النفط الإيرانية ستُستأنف تحت إشراف أمريكي، ما يُعيد فعلياً 2.5 مليون برميل يومياً إلى السوق. سيكون ذلك هبوطياً لبرنت على المدى المتوسط لأنه يحلّ جزءاً من أزمة المعروض. لكن على المدى القصير، ستولّد العملية العسكرية نفسها تقلبات حادة مع تسعير الأسواق لاحتمالات الفشل، ومخاطر التصعيد عبر الخليج، والغموض القانوني المحيط باستيلاء دولة ذات سيادة على البنية التحتية التصديرية لدولة أخرى. أما إذا لم تُقدم واشنطن على هذه الخطوة وبقي التهديد مجرد كلام، فإن ذلك يضيف طبقة جديدة من الغموض إلى سوق تغرق أصلاً في حالة من عدم اليقين.

الجبهة الثانية: الحوثيون والكويت

جاءت تصريحات ترامب بشأن جزيرة خارك في عطلة نهاية الأسبوع ذاتها التي شهدت تصعيدين إضافيين وسّعا رقعة الحرب. أطلقت ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران في اليمن صواريخ على إسرائيل يوم الأحد، في خطوة تمثّل دخول الجماعة إلى الصراع كطرف مقاتل وليس مجرد متفرّج، وفقاً لـ CNBC. سبق للحوثيين أن عطّلوا الملاحة في البحر الأحمر خلال 2023 و2024 تضامناً مع حماس. دخولهم في الحرب مع إيران يفتح باب تعطيل بحري على جبهتين: مضيق هرمز شرقاً وباب المندب غرباً.

في تطوّر منفصل، ضربت إيران مبنى خدمات تابعاً لمحطة توليد كهرباء وتحلية مياه في الكويت مساء الأحد، ما أسفر عن مقتل عامل واحد، وفقاً لـ CNBC. الكويت ليست طرفاً في هذا الصراع. استهداف بنية تحتية مدنية في دولة خليجية غير محاربة يمثّل تصعيداً نوعياً خطيراً: إذا كانت إيران مستعدة لضرب منشآت المياه والكهرباء في دول ليست في حالة حرب معها، فإن كل قطعة من البنية التحتية للطاقة والمرافق عبر الخليج تصبح هدفاً محتملاً. منشأة أبقيق التابعة لـ Saudi Aramco، وميناء جبل علي في الإمارات، والبنية التحتية المتبقية للغاز المسال في قطر: جميعها تقع ضمن مدى المنظومات ذاتها التي استخدمتها إيران ضد الكويت.

تجاوز برنت حاجز 100 دولار قبل أسبوعين كان يسعّر إغلاق هرمز. أما القفزة فوق 116 دولاراً يوم الاثنين، وفقاً لتقارير CNN وCNBC، فهي تسعّر شيئاً أوسع: صراعاً إقليمياً بلا حدود جغرافية ولا نهاية واضحة في الأفق. السوق لم تعد تسأل متى سيُعاد فتح المضيق، بل تسأل هل ستنجو البنية التحتية التي تنتج النفط الخليجي وتشحنه من هذه الحرب سالمة.

عشرون ناقلة لا تحلّ الأزمة

كشف ترامب أيضاً أن إيران وافقت على السماح لـ 20 ناقلة نفط بالعبور من مضيق هرمز اعتباراً من الاثنين، واصفاً ذلك بأنه “علامة احترام.” نائب رئيس الوزراء الباكستاني إسحاق دار، الذي تتوسط بلاده بين واشنطن وطهران، كان أول من كشف عن هذه البادرة يوم السبت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفقاً لما أوردته الجزيرة. الأسبوع الماضي كان العدد 10 ناقلات. كتبنا حينها أن 10 ناقلات تجربة تسعيرية وليست وقفاً لإطلاق النار. عشرون ناقلة تجربة أكبر، لكن المعادلة الحسابية لم تتغيّر.

في الظروف الطبيعية، يعبر نحو 50 سفينة يومياً مضيق هرمز، وفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. عشرون ناقلة خلال “الأيام القليلة المقبلة” تمثّل ما بين 4 و7 في المائة من التدفق الأسبوعي الطبيعي، بحسب عدد الأيام التي تبقى فيها النافذة مفتوحة. بهذا المعدل، تبقى السوق الفعلية متعطّشة للخام الخليجي. مصافي اليابان وكوريا الجنوبية والهند — أكبر ثلاثة مستوردين للنفط الخليجي — لا يمكنها مواصلة عملياتها بـ 5 في المائة من إمداداتها المعتادة. والسفن اليابانية الـ 45 العالقة في الخليج التي أثارها رئيس الوزراء تاكاإيتشي مع وكالة الطاقة الدولية قبل ثلاثة أسابيع لا تزال على الأرجح تنتظر.

بادرات الناقلات تؤدي وظيفة سياسية لا وظيفة سوقية. تمنح ترامب نقطة حوار (“إنهم يتفاوضون بحسن نية”) وتمنح إيران ورقة ضغط (القدرة على فتح الصنبور وإغلاقه انتقائياً). لكنها لا تملأ مصافي آسيا، ولا تخفّض أقساط التأمين البحري، ولا تعيد فتح المضيق أمام الملاحة التجارية. الفجوة بين السوق الورقية والسوق الفعلية التي رصدناها قبل أسبوعين لم تزدد إلا اتساعاً.

ماذا يعني مارس 2026 لاستراتيجيات التمركز في قطاع الطاقة

سيُسجَّل مارس 2026 في كتب التاريخ إلى جانب أكتوبر 1973 وأغسطس 1990 باعتباره شهراً أعاد تعريف العلاقة بين الجيوسياسة وأسعار النفط. أفادت CNBC أن مكسب مارس البالغ 55 في المائة يضع برنت على مسار تسجيل أعلى ارتفاع شهري على الإطلاق. الفارق أن تلك الأحداث السابقة كانت صدمات عرض محددة ذات نهايات واضحة: حظر 1973 انتهى حين رفعته OPEC، وحرب الخليج 1990 انتهت بطرد العراق من الكويت. أما حرب إيران 2026 فلا تملك مخرجاً مشابهاً، لأن النزاع لا يدور حول فعل عدواني واحد يمكن التراجع عنه، بل يتعلق بالقدرة النووية، والسيادة البحرية، وإسقاط القوة الإقليمية، والآن — صراحةً — السيطرة على البنية التحتية لإنتاج النفط.

تصريح ترامب عن “الاستيلاء على النفط” نقل النقاش من “متى سيُعاد فتح هرمز” إلى “من يسيطر على النفط.” هذا سؤال مختلف بتداعيات تسعيرية مختلفة تماماً. لو كانت السوق تعتقد أن هرمز سيُعاد فتحه خلال أسابيع، لكان برنت عند 116 دولاراً مجرد قمّة مؤقتة تستحق البيع. لكن إذا بدأت السوق تستنتج أن الولايات المتحدة تنوي السيطرة المباشرة على الإنتاج النفطي الإيراني، فإن إطار التسعير ينتقل إلى واقع يعكس فيه برنت خريطة إمدادات أُعيدت هيكلتها بشكل دائم، بوجود قوات عسكرية أمريكية جاثمة فوق أصل إنتاجي في الخليج العربي.

الموعد النهائي في 6 أبريل لضرب البنية التحتية الطاقوية الإيرانية لا يبعد سوى أسبوع واحد. مقترح السلام المؤلف من 15 نقطة لا يزال معلّقاً. وزارة الخارجية الإيرانية تقول إنه لا توجد مفاوضات مباشرة. ترامب يقول إن الاتفاق “يمكن إنجازه بسرعة”، لكنه يقول أيضاً إن لدى الولايات المتحدة “نحو 3,000 هدف متبقٍ” بعد قصف 13,000. برنت يسعّر كل هذه الاحتمالات في آنٍ واحد، وهذا بالتحديد ما يفسّر تسجيله أعلى مكسب شهري في تاريخ العقد. السوق ليست في حالة ارتباك — بل تؤدي وظيفتها بالضبط: تعكس النطاق الكامل للسيناريوات في وضع يشمل فيه هذا النطاق كل شيء، من وقف إطلاق النار إلى احتلال أمريكي للبنية التحتية النفطية الإيرانية.

إخلاء المسؤولية: يقدم Finonity الأخبار المالية وتحليلات السوق لأغراض إعلامية فقط. لا يشكل أي شيء منشور على هذا الموقع نصيحة استثمارية أو توصية أو عرضًا لشراء أو بيع أي أوراق مالية أو أدوات مالية. الأداء السابق لا يعد مؤشرًا على النتائج المستقبلية. استشر دائمًا مستشارًا ماليًا مؤهلاً قبل اتخاذ قرارات الاستثمار.
Paul Dawes
Paul Dawes
Currency & Commodities Strategist — Paul Dawes is a Currency & Commodities Strategist at Finonity with over 15 years of experience in financial markets. Based in the United Kingdom, he specializes in G10 and emerging market currencies, precious metals, and macro-driven commodity analysis. His expertise spans institutional FX flows, central bank policy impacts on currency valuations, and safe-haven dynamics across gold, silver, and platinum markets. Paul's analysis focuses on identifying capital flow turning points and translating complex cross-asset relationships into actionable market intelligence.

Read more

Latest News