وكالة الطاقة أفرجت عن 400 مليون برميل.. ومنتجو الخليج خفضوا 6.7 مليون برميل يومياً. المعادلة لا تستقيم

Share

Reading time: 5 min

بينما انصبّت أنظار العالم على الإفراج القياسي عن الاحتياطيات الذي أعلنته وكالة الطاقة الدولية يوم الأربعاء، كان رقم أكثر هيكلية حاضراً بالفعل على الطاولة. فقد خفّضت السعودية والعراق والإمارات والكويت إنتاجها مجتمعةً بما يصل إلى 6.7 مليون برميل يومياً، أي نحو 6% من الإمدادات العالمية وثلث إنتاجها المشترك تقريباً. هذا الخفض ليس قراراً سياسياً، بل نتيجة مادية مباشرة لمضيق مغلق وصهاريج تخزين لم يعد فيها مكان لنفطٍ لا وجهة له.

لماذا يخفض المنتجون الإنتاج والأسعار فوق 90 دولاراً؟

يبدو المنطق متناقضاً للوهلة الأولى. النفط فوق 90 دولاراً، وخام برنت لامس 99 دولاراً لفترة وجيزة خلال تداولات الليل، ومع ذلك يقلّص منتجو الخليج إنتاجهم. غير أن إشارة السعر تفقد معناها حين يتعذّر عليك شحن البرميل. مضيق هرمز مغلق فعلياً منذ ضربات 28 فبراير، ومع توقف حركة الناقلات يتراكم الخام في مرافق التخزين البرية عبر الخليج بوتيرة غير مسبوقة. وحين تمتلئ الخزانات، لا خيار أمام الحقول سوى إبطاء الإنتاج أو إيقافه كلياً، بصرف النظر عن سعر النفط على الشاشة.

نفّذ العراق أعمق التخفيضات، إذ تراجع إنتاجه من نحو 4.3 مليون برميل يومياً قبل النزاع إلى ما بين 1.2 و1.4 مليون برميل يومياً تقريباً — انخفاض بنحو 70% وفقاً لـ Bloomberg والمتحدث باسم وزارة النفط العراقية صاحب الحسناوي. أما السعودية فقد خفّضت إنتاجها بواقع 2 إلى 2.5 مليون برميل يومياً حسبما أفادت Bloomberg يوم الثلاثاء نقلاً عن مصادر مطّلعة على العمليات طلبت عدم الكشف عن هويتها. وخفّضت الإمارات إنتاجها بين 500 ألف و800 ألف برميل يومياً، والكويت نحو 500 ألف برميل. بعض هذه التخفيضات استباقي: يُقدّر محللو Kayrros أن لدى منتجي الخليج الأربعة مجتمعين ما يزيد قليلاً عن 100 مليون برميل من السعة التخزينية المتبقية، أي نحو ثلث إجمالي طاقتهم، ما يمنح السعودية وقتاً أطول من جيرانها قبل التوقف القسري. وكانت أكبر مصفاة سعودية قد أُغلقت بالفعل بعد تعرّضها لأضرار في مرحلة سابقة من النزاع، ما قلّص قدرة المملكة على تكرير ما تنتجه.

الالتفاف السعودي عبر البحر الأحمر… وحدوده

تبذل السعودية ما بوسعها لتحويل مسار الشحنات حول الانسداد. فقد بلغ متوسط الشحنات عبر البحر الأحمر من محطاتها الغربية نحو 2.2 مليون برميل يومياً حتى الآن هذا الشهر، وهي وتيرة قياسية وفقاً لبيانات تتبّع السفن من LSEG التي نقلتها Reuters. لكن السياق ضروري هنا: ترسل السعودية في الأوضاع العادية نحو 6 ملايين برميل من أصل 7 ملايين برميل يومياً من صادراتها عبر مضيق هرمز، وفقاً لـ Reuters وبيانات IEA. وتشحن إيران عملياً كامل صادراتها عبره، فيما تعتمد الكويت وقطر عليه لتصدير كل إنتاجهما تقريباً. أما العراق فيعتمد عليه في الغالبية العظمى من شحناته. تملك الإمارات المرونة الأكبر بفضل خط أنابيب أبوظبي إلى الفجيرة الذي يتيح لها تجاوز المضيق لجزء من صادراتها، لكن IEA تُقدّر إجمالي طاقة التجاوز المتاحة لدى السعودية والإمارات مجتمعتين بما بين 3.5 و5.5 مليون برميل يومياً فقط — وهو رقم أقل بكثير من التدفق الطبيعي للمضيق.

يمنح التحويل عبر البحر الأحمر السعودية بعض الوقت، لكنه لا يقترب حتى من تعويض ما ينقله المضيق عادةً. إفراج IEA عن 400 مليون برميل يعادل تقريباً أربعة أيام من الإنتاج العالمي و16 يوماً من التدفق الطبيعي للخام والمنتجات عبر هرمز، وفقاً لمحللي Macquarie. في المقابل، تسير تخفيضات الإنتاج الخليجية بوتيرة 6.7 مليون برميل يومياً من الإمدادات المفقودة. أي أن الخسارة الصافية تتجاوز 6 ملايين برميل كل يوم يبقى فيه المضيق مغلقاً، مقابل إفراجٍ لمرة واحدة عن الاحتياطيات. الحسابات لا تستقيم ببساطة.

أزمة التخزين تتفاقم

المشكلة الأعمق تكمن فيما سيحدث حين تمتلئ مرافق التخزين بالكامل. قدّر JPMorgan في وقت سابق من هذا الشهر أن السعودية ستستنفد طاقتها التخزينية للنفط والوقود خلال أكثر من شهرين من بداية النزاع، بينما سيبلغ العراق تلك النقطة خلال أسبوع تقريباً والكويت خلال أسبوعين. وقد بدأ كلا البلدين بالخفض قبل تلك المواعيد. حين تبلغ الخزانات البرية طاقتها القصوى، يواجه المنتجون خيارين: إما إغلاق الحقول بالكامل — مع ما يترتب على ذلك من مخاطر إلحاق ضرر دائم بضغط المكامن في بعض التكوينات — أو إيجاد مسارات بديلة بسرعة كافية لمواكبة الإنتاج. وكلا الخيارين لا يتحقق بالوتيرة المطلوبة.

وصف الرئيس التنفيذي لـ Aramco أمين الناصر هذه الأزمة بأنها الأكبر التي واجهتها صناعة الطاقة في المنطقة على الإطلاق، محذّراً من “عواقب كارثية على سوق النفط العالمية” إذا ظلّت طرق التصدير مغلقة. وأكّد تقرير سوق النفط الصادر عن IEA لشهر مارس 2026 يوم الخميس أن أحجام التصدير من الخام والمنتجات المكررة تقلّ حالياً عن 10% من مستويات ما قبل الحرب، مُقدّراً أن ما لا يقل عن 8 ملايين برميل يومياً من الخام محتجز في المنطقة، إضافةً إلى مليوني برميل يومياً من المكثّفات وسوائل الغاز الطبيعي خارج الخدمة أيضاً. يشمل هذا الرقم تخفيضات الإنتاج وشلل الشحن معاً، ويعني أن الخليج — الذي يُصدّر عادةً نحو خُمس النفط العالمي عبر المضيق — يعمل بجزء ضئيل من طاقته دون أفق واضح للتعافي.

ما الذي يعنيه ذلك لسقف الأسعار؟

أغلق خام برنت يوم الأربعاء عند 91.98 دولاراً ويتداول قرب 99 دولاراً في الجلسة الآسيوية المبكرة ليوم الخميس وفقاً لـ Bloomberg. السؤال الذي يُسعّره السوق الآن ليس ما إذا كان النفط سيبقى فوق 90 دولاراً، بل مدى سرعة عودته فوق 100 دولار إذا لم يظهر حلّ لأزمة الملاحة. فالمضيق لا ينقل الخام فحسب: الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المكررة والأسمدة جميعها عالقة في الانسداد ذاته، ما يوسّع قناة التضخم إلى ما هو أبعد بكثير من أسعار البنزين.

رفع Goldman Sachs توقعاته لسعر برنت في الربع الرابع من 2026 إلى 71 دولاراً للبرميل يوم الخميس، صعوداً من تقديره السابق عند 66 دولاراً وفقاً لـ Reuters. لكن هذا الرقم لا يزال توقعاً لنهاية العام يفترض انقطاعاً لمدة 21 يوماً يعقبه تعافٍ تدريجي على مدى 30 يوماً. ومع تداول برنت حالياً بين 92 و99 دولاراً، فإن السيناريو الأساسي للبنك يستلزم تهدئة كبيرة للأزمة قبل ديسمبر. يتوقع Goldman Sachs أن يبلغ متوسط مارس وأبريل وحدهما 98 دولاراً. هذا رهان على نتيجة سياسية محددة في حرب أعلنت الولايات المتحدة حتى يوم الخميس عزمها على إنهائها. وكل يوم تمتلئ فيه الخزانات بوتيرة أسرع هو يوم يزداد فيه هذا الرهان تكلفةً.

إخلاء المسؤولية: يقدم Finonity الأخبار المالية وتحليلات السوق لأغراض إعلامية فقط. لا يشكل أي شيء منشور على هذا الموقع نصيحة استثمارية أو توصية أو عرضًا لشراء أو بيع أي أوراق مالية أو أدوات مالية. الأداء السابق لا يعد مؤشرًا على النتائج المستقبلية. استشر دائمًا مستشارًا ماليًا مؤهلاً قبل اتخاذ قرارات الاستثمار.
Artur Szablowski
Artur Szablowski
Chief Editor & Economic Analyst - Artur Szabłowski is the Chief Editor. He holds a Master of Science in Data Science from the University of Colorado Boulder and an engineering degree from Wrocław University of Science and Technology. With over 10 years of experience in business and finance, Artur leads Szabłowski I Wspólnicy Sp. z o.o. — a Warsaw-based accounting and financial advisory firm serving corporate clients across Europe. An active member of the Association of Accountants in Poland (SKwP), he combines hands-on expertise in corporate finance, tax strategy, and macroeconomic analysis with a data-driven editorial approach. At Finonity, he specializes in central bank policy, inflation dynamics, and the economic forces shaping global markets.

Read more

Latest News