Reading time: 5 min
سجّل الاقتصاد الياباني نمواً سنوياً بلغ 1.3% في الربع الرابع من عام 2025، وفقاً لبيانات حكومية معدّلة صدرت يوم الثلاثاء. التقدير الأولي كان 0.2% فقط، فيما توقّع المحللون 1.2%. ارتفع الاستثمار التجاري بأسرع وتيرة منذ عام كامل، وتسارعت الأجور النقدية إلى 3.0% على أساس سنوي في يناير، متجاوزةً التوقعات بنصف نقطة مئوية. بكل المقاييس التقليدية، هذه أقوى بيانات اقتصادية تنتجها اليابان منذ سنوات. ومع ذلك، تراجع الين.
تمثّل الأرقام المعدّلة التي أصدرها مكتب مجلس الوزراء في 10 مارس واحدة من أكبر المراجعات التصاعدية في التاريخ الاقتصادي الياباني الحديث. فالقراءة الأولية البالغة 0.2% نمواً سنوياً، والتي نُشرت في 16 فبراير، كانت قد خيّبت آمال الأسواق وعزّزت رواية الركود الهيكلي. أما المراجعة إلى 1.3% فتقلب تلك القراءة رأساً على عقب. على أساس ربع سنوي، رُفع النمو من 0.1% إلى 0.3%، مطابقاً لمتوسط التوقعات وفقاً لـ Reuters عبر Nikkei Asia. وكان الربع السابق قد سجّل انكماشاً بنسبة 2.6% سنوياً، ما يعني أن التحوّل بين الربعين الثالث والرابع قارب أربع نقاط مئوية.
ما الذي قاد هذه المراجعة؟
كان المحرّك الأكبر هو الإنفاق الرأسمالي للشركات، الذي ارتفع بنسبة 1.3% على أساس ربع سنوي، وهو أكبر ارتفاع منذ الربع الأخير من عام 2023. التقدير الأولي كان قد وضع الرقم عند 0.2% وفقاً لـ Reuters، فيما توقّع الاقتصاديون 1.1%. تعكس هذه المراجعة إنفاقاً مؤسسياً أقوى على المعدات والطاقة الإنتاجية، في إشارة إلى أن الشركات اليابانية كانت تستثمر بجرأة أكبر مع دخول عام 2026 مما أوحت به البيانات الأولية.
رُفع الاستهلاك الخاص، الذي يمثّل أكثر من نصف الناتج الاقتصادي الياباني، إلى 0.3% من 0.1%، مدعوماً جزئياً بتدابير مالية نفّذتها حكومة تاكايتشي لتخفيف ضغوط تكاليف المعيشة، وفقاً لـ TradingEconomics. كذلك ارتفع الإنفاق الحكومي بمراجعة من 0.1% إلى 0.4%، مما يعكس استمرار الدعم المالي. أما التجارة الخارجية فلم تسهم في النمو، إذ تراجعت الصادرات والواردات معاً بنسبة 0.3%؛ الأولى بفعل ضعف الطلب الخارجي، والثانية كإشارة على تراجع احتياجات الاستيراد المحلية.
على صعيد منفصل، تسارع متوسط الأجور النقدية في اليابان إلى 3.0% على أساس سنوي في يناير، وفقاً لموجز الاقتصاد العالمي من Rio Times نقلاً عن بيانات رسمية. كان الإجماع عند 2.5%. تمدّد هذه النتيجة مسار نمو الأجور الذي شكّل الركيزة الأساسية للتطبيع التدريجي لسياسة بنك اليابان منذ عام 2024. وتعزّز مؤشر التزامن إلى +2.5% على أساس شهري بعد أن كان عند -0.5%، في إشارة إلى زخم اقتصادي واسع النطاق. ويواصل سوق العمل الياباني، مع بقاء البطالة قرب أدنى مستوياتها التاريخية، التضيّق بشكل يدعم الحجة لمزيد من التطبيع النقدي.
لماذا لا يكترث الين بكل ذلك؟
تداول زوج USD/JPY حول 157.5 يوم الاثنين، بعد ثلاثة أسابيع متتالية من تراجع الين. وهبط مؤشر Nikkei 225 بنسبة 5% يوم الاثنين مع قفزة أسعار النفط إلى ما يقارب 120 دولاراً قبل أن تتراجع. بقيت عوائد السندات الحكومية اليابانية فوق 2.0%، مقيّدة بتردّد بنك اليابان في مزيد من التشديد في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط. ومراجعة الناتج المحلي، التي صدرت صباح الثلاثاء بتوقيت طوكيو، والتي كانت في الظروف الطبيعية لتدعم العملة عبر توقعات رفع أسعار الفائدة، وصلت إلى سوق لا يزال يستوعب أكثر جلسات النفط تقلباً منذ 2022.
تستورد اليابان نحو 95% من نفطها الخام من الشرق الأوسط، يمرّ نحو 70% منه عبر مضيق هرمز وفقاً لـ Reuters. والمضيق مغلق فعلياً منذ 28 فبراير. قفزت أسعار النفط إلى ما يقارب 120 دولاراً للبرميل مساء الأحد قبل أن تتراجع دون 90 دولاراً بعد ظهر الاثنين إثر تصريح الرئيس ترامب بأن الحرب مع إيران “اكتملت إلى حد بعيد”. لكن الاضطراب الفعلي في الإمدادات لم ينتهِ. يتدهور الميزان التجاري الياباني مع كل دولار يرتفعه سعر الخام، وتنعكس تكلفة الطاقة المستوردة مباشرة على عجز الحساب الجاري الذي شكّل تاريخياً الدعامة الأساسية للين.
حذّر محافظ بنك اليابان كازو أويدا الأسبوع الماضي من أن الصراع في الشرق الأوسط قد يؤثر جوهرياً على الاقتصاد الياباني، وألمح إلى تثبيت مطوّل لأسعار الفائدة. وهذا عكس ما توحي به بيانات الناتج المحلي في الأحوال العادية تماماً. فمعدل نمو سنوي بنسبة 1.3%، مع ارتفاع الأجور وتحسّن الاستثمار التجاري، كان ليعزّز في ظروف ما قبل الحرب حجة رفع الفائدة في اجتماع بنك اليابان المقبل. لكن صدمة الطاقة جمّدت مسار الفائدة. وتسعّر الأسواق حالياً نحو 37 نقطة أساس من التيسير من الاحتياطي الفيدرالي لعام 2026 وفقاً لـ Rio Times، مع تأجيل أول خفض إلى سبتمبر. وبذلك يبقى فارق العائد الذي يغذّي تجارة حمل الين واسعاً.
التناقض الهيكلي
ترسم البيانات الاقتصادية اليابانية صورة اقتصاد محلي يتعافى. الشركات تستثمر، والأجور ترتفع، وسوق العمل متماسك. الاستهلاك الخاص، رغم تواضعه، آخذ في التحسّن. والبرنامج المالي لحكومة تاكايتشي، الذي يشمل ميزانية تكميلية بقيمة 18.3 تريليون ين وخططاً لتعليق ضريبة الاستهلاك، مصمّم لتمديد هذا الزخم. وقد حقّقت رئيسة الوزراء تاكايتشي فوزاً انتخابياً ساحقاً منح ائتلافها الأغلبية البرلمانية الفائقة اللازمة لتمرير خطط الإنفاق.
لكن كل ذلك لا يعني شيئاً للين في الوقت الراهن. فالعملة تُسعَّر لا على أساس الأساسيات المحلية لليابان، بل على المخاطر الجيوسياسية المتجذّرة في سلسلة إمداداتها من الطاقة. كرّرت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما الأسبوع الماضي أن التدخّل “يبقى خياراً مطروحاً” وأن السلطات تراقب تراجع الين “بإحساس قوي بالإلحاح”. غير أن التدخّل لدعم عملة في مواجهة صدمة طاقة هيكلية يختلف كلياً عن التدخّل في مواجهة مضاربات السوق. بإمكان اليابان طباعة الين وبيع الدولارات، لكنها لا تستطيع طباعة النفط.
يتوقّع فريق إجماع FocusEconomics أن يبقى نمو الناتج المحلي الياباني حول 1% حتى نهاية 2027 على الأقل، مع إمكانية أن يوفّر التحفيز المالي لتاكايتشي دفعة إضافية. وقد تحقّق مفاوضات الأجور الربيعية “شونتو” الجارية حالياً زيادات في الأجور تتجاوز 5% للعام الثالث على التوالي، مما سيدعم نمو الأجور الحقيقية في النصف الثاني من 2026 مع تراجع التضخم. ويبقى السيناريو الأساسي لبنك اليابان، وفقاً لـ FocusEconomics، رفعاً بمقدار 25 نقطة أساس في يوليو ليصل سعر الفائدة إلى 1.00%.
لكن هذا الرفع يتوقف بالكامل على ما إذا كانت صدمة الطاقة ستنتهي بحلول ذلك الحين. إن أُعيد فتح مضيق هرمز وعاد النفط نحو 70 دولاراً، تصبح بيانات الناتج المحلي التي صدرت يوم الاثنين الأساس الذي يُبنى عليه رفع الفائدة الذي سيضيّق أخيراً فارق العائد ويدعم الين. أما إن استمر اضطراب المضيق حتى أبريل وما بعده، فستتحول هذه البيانات إلى مجرد هامش في قصة بلد أفضل أداء اقتصادي يحققه منذ سنوات أصبح بلا أثر بسبب حرب لم يبدأها واعتماد على الطاقة لم يتخلّص منه.
نما الاقتصاد الياباني بنسبة 1.3% سنوياً في الربع الرابع، وتراجع الين. تختزل هذه الجملة الواحدة كامل تناقض الاقتصاد الياباني في عام 2026.