Reading time: 5 min
كان من المفترض أن يُهدّئ عنوان يوم الأربعاء أسواق النفط: 400 مليون برميل من احتياطيات الطوارئ، وافق عليها بالإجماع جميع أعضاء وكالة الطاقة الدولية الـ32، في أكبر عملية إفراج منسّقة عن المخزونات في تاريخ الوكالة الممتد لـ52 عاماً. ومع ذلك، أغلق خام برنت فوق 91 دولاراً، واستقر خام WTI بارتفاع تجاوز 4%. وبحلول ليلة الأربعاء، أفادت Bloomberg بأن برنت عاد قرب 99 دولاراً. السوق يُخبرك بوضوح بما تستطيع الاحتياطيات إصلاحه وما لا تستطيع.
ما الذي أعلنته وكالة الطاقة الدولية فعلياً؟
أعلن المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول من باريس يوم الأربعاء أن الدول الأعضاء اتفقت على الإفراج عن 400 مليون برميل من مخزونات النفط الطارئة استجابةً لاضطراب الإمدادات الناجم عن شبه إغلاق مضيق هرمز. يتجاوز هذا الإفراج ضعف الرقم القياسي السابق البالغ 182.7 مليون برميل، والذي سُجّل عام 2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. صوّتت جميع الحكومات الأعضاء الـ32 بالإجماع. ألمانيا تُفرج عن 2.64 مليون طن، والمملكة المتحدة تُساهم بـ13.5 مليون برميل، واليابان تبدأ الإفراج اعتباراً من الأسبوع المقبل. ستصل الاحتياطيات إلى السوق خلال إطار زمني وصفته الوكالة بأنه “مناسب لظروف كل دولة”، وهو ليس مرادفاً لـ”فوراً”. وفي سياق منفصل، أكد وزير الطاقة كريس رايت يوم الأربعاء أن ترامب أذِن بالإفراج عن 172 مليون برميل إضافية من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي، بدءاً من الأسبوع المقبل، على مدى نحو 120 يوماً.
تصريح بيرول نفسه قوّض العنوان الرئيسي حين قال: “الأهم لعودة التدفقات المستقرة من النفط والغاز هو استئناف العبور عبر مضيق هرمز.” الاحتياطيات تشتري الوقت، لكنها لا تُعيد فتح مضيق تزرع فيه إيران الألغام.
لماذا لم تنجح الخطة؟
تعرّضت ثلاث ناقلات لهجمات في مضيق هرمز أو بالقرب منه يوم الأربعاء. اشتعلت النيران في سفينة شحن تايلاندية على بُعد 11 ميلاً بحرياً شمال عُمان، مما أجبر طاقمها على الإخلاء. وأُبلغ عن حادثتين إضافيتين، واحدة على بُعد 50 ميلاً بحرياً شمال غرب دبي والأخرى قبالة ساحل الإمارات. إيران تزرع ألغاماً في المضيق، وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها دمّرت 16 زورق إيرانياً لزرع الألغام قرب المضيق. الضربات بطائرات مسيّرة على مراكز قيادة الحرس الثوري مستمرة، وأطلق حزب الله موجة جديدة من الصواريخ على إسرائيل بين ليلة وضحاها. هذا الوضع لا يُحلّه الإفراج عن احتياطيات.
وضعت Macquarie أرقاماً على هذا الفارق: 400 مليون برميل تعادل تقريباً أربعة أيام من الإنتاج العالمي ونحو 16 يوماً من الأحجام التي تعبر هرمز عادةً. وبحسب مذكرة Macquarie التي نقلتها Reuters: “إن لم يبدُ هذا كثيراً، فلأنه ليس كذلك.” تدفقات النفط عبر المضيق حالياً أقل من 10% من مستويات ما قبل الحرب، وفقاً لبيانات الوكالة ذاتها. لا يمكنك سدّ ثغرة اضطراب في الإمدادات بنسبة 90% بمجرد الإفراج عن مخزونات.
إيران تُدرك هذه المعادلة جيداً. هدّدت طهران يوم الأربعاء بدفع سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل، وصرّح مسؤولوها بأنه لن يمرّ لتر واحد من النفط عبر المضيق لصالح الولايات المتحدة أو إسرائيل أو شركائهما. مدى واقعية هذا التهديد مسألة أخرى، لكن الجوهر أنه ذو مصداقية كافية لتحريك الأسواق.
التباعد بين النفط والذهب
القصة التي لم تحظَ بتغطية كافية يوم الأربعاء هي الذهب. ففي الوقت الذي قفز فيه النفط أكثر من 4%، تراجع الذهب نحو 1% إلى حوالي 5,185 دولاراً للأونصة. المنطق التقليدي لمخاطر الحروب يقول إن كليهما يرتفعان معاً. هذا التباعد يشير إلى أن شيئاً أكثر تحديداً يحدث: السوق يُسعّر الأمر باعتباره صدمة إمدادات نفطية، لا موجة هروب شاملة نحو الملاذات الآمنة. الأموال تتدفق نحو قطاع الطاقة لا الأصول الدفاعية. هذا مؤشر على تقدير المدة الزمنية: لو كان المتداولون يتوقعون صراعاً مطوّلاً بلا حل، لكان الذهب في ارتفاع. تراجعه بينما يصعد الخام يعني أن السوق لا يزال يُعطي احتمالاً حقيقياً لتسوية قريبة، أو على الأقل لبقاء الصدمة محصورة في قطاع الطاقة دون أن تتحول إلى سردية ركود عالمي.
هذه الفرضية تُختبر في كل مرة تشتعل فيها ناقلة أخرى.
التفاف إيران وتداعياته على صورة الإمدادات
أفادت شركة تتبع السلع Kpler بأن إيران أعادت بهدوء تصدير النفط الخام عبر محطة جاسك النفطية على خليج عُمان الأسبوع الماضي، حيث حمّلت ناقلة نحو مليوني برميل في 7 مارس. تقع جاسك خارج المضيق، مما يعني أن طهران تستطيع تحويل بعض إنتاجها حول عنق الزجاجة الذي تحاول في الوقت نفسه إغلاقه. الكميات ليست كافية لتغيير موازين الإمدادات جوهرياً، لكنها إشارة إلى أن إيران تُدير تعرّضها الاقتصادي مع الإبقاء على الضغط على الجميع.
المنتجون الخليجيون لا يملكون هذا الخيار. المضيق لا ينقل النفط الخام وحده: الغاز الطبيعي المسال والأسمدة والمنتجات المكررة تعبر جميعها من خلاله. أكدت وكالة الطاقة الدولية أن إمدادات الغاز المسال العالمية انخفضت بنسبة 20%، مما يضع الاقتصادات الآسيوية ذات الدخل المرتفع في منافسة مباشرة مع أوروبا على الشحنات المتاحة. هذه أزمة تخزين شتوي قيد التشكّل للعام المقبل.
مستويات الأسعار الحاسمة الآن
أغلق خام برنت يوم الأربعاء عند 91.98 دولاراً، بارتفاع 4.8% خلال الجلسة، فيما استقر خام WTI عند 87.25 دولاراً بارتفاع نحو 4%. وأفادت Bloomberg في تقاريرها الليلية بأن برنت عاد قرب 99 دولاراً في التداولات المبكرة ليوم الخميس مع استمرار أنباء الهجمات على الناقلات. قفزة يوم الاثنين خلال الجلسة إلى 120 دولاراً وانهيارها إلى 86 دولاراً رسمت النطاق الذي يعمل ضمنه المتداولون حالياً. مستوى 90 دولاراً هو الخط الفاصل في نفسية السوق بين “اضطراب مُدار” و”ارتفاع خارج السيطرة”. كل هجوم على ناقلة يدفع الحد الأعلى لهذا النطاق، وكل إشارة وقف إطلاق نار ذات مصداقية تُسقطه.
قال ترامب مساء الأربعاء إن على الولايات المتحدة “إنهاء المهمة” في إيران، مما يستبعد أي تحوّل دبلوماسي وشيك من الجانب الأمريكي. سوق النفط سمع ذلك جيداً، وبرنت قرب 99 دولاراً بين ليلة وضحاها هو الردّ.
اشترى الإفراج عن احتياطيات وكالة الطاقة الدولية بضع ساعات من الهدوء النسبي، لكن الألغام في المضيق استعادت ما خسرته بحلول فترة ما بعد الظهر. راقبوا مستوى 100 دولار لخام برنت: هذا هو المستوى الذي تتغير عنده حسابات التضخم لدى البنوك المركزية، وحيث يبدأ موقف Fed المتمثل في “الانتظار والمراقبة” بشأن خفض أسعار الفائدة بالتعرّض لضغوط حقيقية.